30/05/2026
لنشاط التكميلي - حلٌّ زائف لمشكلة حقيقية
الدكتور تركمان ياسين
رئيس المجلس الجهوي للبليدة
لعمادة الأطباء
30 ماي 2026
إن نشر المرسوم التنفيذي رقم 26-202 المؤرخ في 16 ماي 2026، المحدد لشروط وكيفيات ممارسة نشاط مربح في إطار خاص من طرف أساتذة التعليم العالي والباحثين والممارسين الطبيين المتخصصين في العدد الأخير من الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية بتاريخ 25 ماي 2026، يعيد من جديد النشاط التكميلي الخاص لفائدة الأطباء الأخصائيين الموظفين.
وكان النشاط التكميلي الخاص قد أُدخل لأول مرة بموجب المرسوم التنفيذي رقم 99-236 المؤرخ في 19 أكتوبر 1999، المعدل والمتمم بالمرسوم التنفيذي رقم 02-256 المؤرخ في 3 أوت 2002، المحدد لكيفيات تطبيق المادة 201 من القانون رقم 85-05 المؤرخ في 16 فيفري 1985 المتعلق بحماية الصحة وترقيتها..
وقد جاء هذا الإجراء آنذاك في سياق اتسم بالتقشف والأزمة الاقتصادية وبرنامج التعديل الهيكلي المفروض من طرف صندوق النقد الدولي، وفي ظل عجز الدولة عن إجراء زيادات واسعة في الأجور، إضافة إلى الضغوط التي كانت تمارسها النقابات المهنية. وكان الهدف منه تمكين الأطباء الأخصائيين العاملين بالمستشفيات العمومية من تعويض ضعف مداخيلهم عبر ممارسة نشاط مربح في القطاع الخاص وبالتالي الحد من نزيف انتقالهم إلى القطاع الخاص.
وكان النشاط التكميلي محدداً بنصفَي يوم أسبوعياً (خلال فترات ما بعد الظهيرة)، كما كان غير متوافق مع شغل مناصب رئيس مصلحة أو رئيس وحدة. وكانت رخصة الممارسة أو سحبها خاضعة للتصريح لدى المجلس الجهوي المختص لعمادة الأطباء..
غير أن هذه الممارسة سرعان ما أفرزت آثاراً سلبية على سير المستشفيات العمومية، تمثلت في الغياب المتكرر للأطباء، وعدم احترام سقف نصفَي اليوم المسموح بهما، وتراجع النشاط الاستشفائي خلال فترات ما بعد الظهيرة، وتحويل المرضى من القطاع العمومي نحو المصحات الخاصة، فضلاً عن الإخلال بمبدأ المساواة في الولوج إلى العلاج..
وقد تم تسجيل هذه الانحرافات من قبل وزراء الصحة المتعاقبين، ومن بينهم الدكتور سعيد بركات والدكتور جمال ولد عباس والسيد عبد المالك بوضياف، إضافة إلى نقابات المهن الطبية. وفي تعليمة مؤرخة في 21 أفريل 2014، قرر الوزير عبد المالك بوضياف تجميد النشاط التكميلي بعدما تبين أن «كل الاختلالات المسجلة داخل مؤسسات الصحة العمومية تعود جزئياً إلى هذا النشاط التكميلي.
وإذا كان مرسوم سنة 1999 قد فتح، بشكل متوقع، الباب أمام مختلف هذه الانحرافات، فإن مرسوم سنة 2026 الحالي مرشح لفتح بوابة أوسع بكثير، بالنظر إلى طابعه الأكثر تساهلاً مقارنة بسابقه.
فبموجب هذا المرسوم، يمكن للأطباء الأخصائيين، سواء العاملين في القطاع الاستشفائي الجامعي أو في قطاع الصحة العمومية، والذين يثبتون خمس سنوات من الأقدمية المهنية، ممارسة النشاط التكميلي دون تحديد زمني أو حصص أسبوعية، أي بشكل يومي، وذلك داخل حدود ولاية الممارسة أو ولاية مجاورة، ولصالح هيئة واحدة فقط، عمومية كانت أو خاصة.
أما في بعض ولايات الجنوب والهضاب العليا، فيمكن للطبيب الأخصائي ممارسة هذا النشاط مباشرة بعد تعيينه أو ترسيمه.
ومن الجدير بالملاحظة أن عمادة الأطباء، التي يفترض بها تنظيم الممارسة الطبية بمختلف قطاعاتها، قد تم تجاهلها تماماً. فلم تعد رخصة الممارسة أو سحبها خاضعة للمجالس الجهوية لعمادة الأطباء، وهو ما يعكس المكانة المحدودة و المتدنية التي أصبحت توليها السلطات العمومية للمجلس الوطني لعمادة الأطباء.
وإذا كان من المشروع أن يُمنح أطباء القطاع العمومي إمكانية تحسين مداخيلهم من خلال نشاط تكميلي مربح، وإن كانت المبررات أقل قوة مما كانت عليه سنة 1999 بالنظر إلى الزيادات الكبيرة التي عرفتها الأجور منذ ذلك التاريخ وإلى الوضع المالي المريح نسبياً للدولة، فإن ممارسة هذا النشاط خارج المستشفى العمومي، في مؤسسات خاصة، ستعيد على الأرجح إنتاج نفس الانحرافات التي عرفها القطاع خلال العقدين الماضيين.
إن الحل الذي يوفق بين الحق المشروع للطبيب العمومي في تحسين دخله وبين ضرورة الحفاظ على المستشفى العمومي يتمثل في اعتماد نشاط تكميلي مربح داخل المؤسسة الاستشفائية نفسها، كما هو معمول به في بعض الأنظمة الصحية، شريطة إخضاعه لتنظيم ورقابة صارمين من طرف الإدارة الاستشفائية.
مزايا النشاط التكميلي داخل المستشفى.
1 - الحفاظ على التواجد الطبي داخل المستشفى: إذ يبقى الطبيب داخل المؤسسة العمومية مع ضمان استمرارية الأنشطة الجامعية والبحثية بالنسبة للأساتذة الباحثين، مما يحد من الغيابات ومن ظاهرة المستشفيات شبه المهجورة خلال فترات ما بعد الظهيرة.
2 - منع تحويل المرضى نحو القطاع الخاص بما يضمن الحفاظ على دور المستشفى العمومي وجاذبيته
3 - الحد من هجرة الأطباء الأخصائيين خاصة في بعض التخصصات التي تعرف طلباً مرتفعاً. حيث يبحث الطبيب الأخصائي عن بيئة علمية محفزة، ومسار أكاديمي واضح، ودخل محترم.
4 - المساهمة في تمويل المستشفى: إذ يمكن تخصيص نسبة إلزامية من العائدات المتأتية من هذا النشاط، قد تصل إلى 25٪، لفائدة المؤسسة الاستشفائية العمومية.
ومع ذلك، تبقى بعض المخاطر قائمة حتى و لو كان هذا النشاط داخل المستشفى.
من بينها ظهور طب بمكيالين، يميز بين المرضى العاديين والمرضى الخواص ذوي الامتيازات المالية، مع آجال تكفل أقصر فضلا عن خطر الانزلاق التدريجي نحو خصخصة المستشفى العمومي..
ولتفادي هذه المخاطر والحفاظ على النموذج الأخلاقي للمؤسسة العمومية للصحة، ينبغي أن يخضع هذا النشاط لجملة من الضوابط الصارمة جداً، من أهمها:
إعطاء الأولوية المطلقة للخدمة العمومية..
مركزية التحصيل المالي، بحيث تُدفع الأتعاب إلى المستشفى الذي يقتطع حصته القانونية ثم يحول الباقي إلى الطبيب ضمن راتبه..
أن يكون نظام حجز المواعيد تحت التسيير الحصري لإدارة المستشفى..
* تحديد سقف زمني وسقف للنشاطات الطبية المنجزة، لأن هذا النموذج لا يبقى أخلاقياً وفعالاً إلا إذا ظل نشاطاً ثانوياً. ويُعتبر سقف 20٪ من الوقت الأسبوعي ومن حجم النشاطات الطبية معياراً معمولاً به دولياً.
**الخلاصة**
إن ممارسة الأطباء الأخصائيين العاملين في القطاع العمومي لنشاط مربح خاص تُعد أمراً مشروعاً في حد ذاته. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود هذا النشاط، بل في كيفية تنظيمه وتطبيقه ميدانياً. فممارسته في مؤسسات القطاع الخاص قد تؤدي إلى إعادة إنتاج نفس الانحرافات التي شهدناها خلال العقدين الماضيين، في حين أن ممارسته داخل المستشفى العمومي توفر ضمانات أفضل تسمح بالتوفيق بين متطلبات الحفاظ على المستشفى العمومي وضمان دخل لائق و محترم للأطباء في القطاع العمومي..