01/06/2026
الجودة ليست رقابة.. الجودة طريق التطوير
بقلم الأستاذ الدكتور/ ولاء عمر
كثيرون من يتصورون أن ضمان الجودة في التعليم الجامعي يعني أوراقاً تملأ، ونماذج توقع، ولجاناً تفتش، وعقوبات توقع على من يخالف. هذه الصورة النمطية الخاطئة هي أكبر عدو للجودة الحقيقية. من واقع خبرتي في إدارة وحدة ضمان الجودة بكلية الصيدلة، أستطيع أن أؤكد أن الجودة ليست رقابة، الجودة هي طريق التطوير، والجسر الذي يعبر بالتعليم من التخبط العشوائي إلى التخطيط المنهجي، ومن العشوائية في الأداء إلى الاحترافية في التنفيذ. في هذا المقال، سأحاول أن أرسم صورة مختلفة للجودة، صورة تليق بدورها الحقيقي في تطوير التعليم وتحسين مخرجاته.
دعونا نبدأ بتشخيص دقيق للمشكلة. لماذا نظن أن الجودة مجرد أوراق وإجراءات شكلية؟ لأن كثيراً من المؤسسات – للأسف – تتعامل معها بهذه الطريقة. الجودة الحقيقية هي عندما تصبح معايير الأداء جزءاً من ثقافة المؤسسة اليومية، وعندما يسأل كل فرد نفسه: "كيف يمكنني أن أؤدي عملي بشكل أفضل غداً مما أديتُه اليوم؟" الجودة الحقيقية ليست حدثاً يمر، بل رحلة مستمرة لا تنتهي.
من هنا، يمكنني أن أحدد الدور الحقيقي للجودة في تطوير التعليم. الدور الأول هو أن الجودة تضع إطاراً منظماً للعمل. بدلاً من أن يعمل كل فرد حسب مزاجه أو حسب ما تعلمه منذ عشرين عاماً، توفر الجودة معايير واضحة ومتفق عليها للجميع. هذه المعايير ليست قيوداً، بل هي ضمانات للجودة، وأدوات لقياس الأداء، ومراجع للتحسين المستمر. عندما يعرف الأستاذ ما هو متوقع منه بالضبط، وعندما يعرف الطالب ما هو متوقع منه، وعندما تعرف الإدارة كيف ستقيس الأداء، يصبح الجميع على طريق واحد واضح.
الدور الثاني للجودة هو أنها تحول التعليم من عملية اعتماد على الأفراد إلى عملية مؤسسية منظمة. الجودة تضمن أن تكون العملية التعليمية قائمة على أنظمة وإجراءات، وليس على أشخاص بعينهم. هذا لا يقلل من أهمية الأفراد المتميزين، بل على العكس، الجودة تحافظ على تميزهم وتوثقه وتنقله للآخرين، بدلاً من أن يظل حبيس تجربة شخصية لا تتعدى جدران فصل واحد.
الدور الثالث، وهو الأهم في نظري، أن الجودة تجعل التقييم مستمراً وليس في نهاية الطريق فقط. في التعليم التقليدي، نقيم الطالب في امتحان نهاية الفصل، ونقيم الأستاذ بعد سنوات في الترقية. أما في نظام الجودة، فالتقييم مستمر: تقييم ذاتي، تقييم من الزملاء، تقييم من الطلاب، تقييم من جهات خارجية. هذا التقييم المستمر ليس للعقاب، بل للتعلم والتطوير. عندما يعرف الأستاذ أن طلابه سيقيّمون محاضرته، يصبح أكثر حرصاً على تحضيرها وتقديمها بشكل جيد. وعندما يعرف الطالب أنه سيُقيّم بشكل مستمر، يصبح أكثر التزاماً بمذاكرته طوال الفصل وليس فقط قبل الامتحان بأيام.
الدور الرابع أن الجودة تخلق ثقافة التعلم المؤسسي. في مؤسسات التعليم التي تتبنى الجودة بصدق، يصبح من الطبيعي أن يُسأل: "ماذا تعلمنا من نجاحاتنا؟ وماذا تعلمنا من إخفاقاتنا؟" تصبح الاجتماعات فرصة للتعلم وليس للاتهام، وتصبح الأخطاء دروساً وليست وصمة عار. هذه الثقافة هي ما تخلق بيئة محفزة للإبداع والتجريب، وهي ما تخرج جيلاً من الأساتذة والطلاب لا يخافون من التغيير بل يتطلعون إليه.
ولكي تؤدي الجودة هذا الدور، يجب أن تتوفر عدة شروط. منها، أن يكون هناك دعم قيادي حقيقي، ليس بالكلام فقط بل بتوفير الموارد والوقت والحوافز. وأن يشارك الجميع في وضع معايير الجودة، وليس أن تفرض من أعلى ، أن تكون الجودة مرتبطة بمكافآت وحوافز، لأن ما لا يُكافأ عليه لا يستمر الناس في فعله. وأن تتحول الجودة من أداة خوف إلى أداة طمأنينة، بحيث يشعر الجميع أن الهدف هو مساعدتهم على التطور وليس مراقبتهم أو تهديدهم.
أريد أن أقول إن الجودة ليست رفاهية أكاديمية، وليست نزوة إدارية، وليست واجهة للتفاخر بالشهادات. الجودة هي الطريقة الوحيدة لضمان أن التعليم الذي نقدمه يليق بالطلاب الذين نعدهم، وأن مخرجاتنا قادرة على المنافسة محلياً وعالمياً. إذا أردنا حقاً تحسين جودة التعليم، فعلينا أن نبدأ بإعادة تعريف الجودة نفسها في أذهاننا، من إجراءات رقابية إلى ثقافة تطوير. ثم نضع الأنظمة التي تحول هذه الثقافة إلى سلوك يومي. ثم نتحلى بالصبر لأن التغيير العميق يحتاج وقتاً. وأخيراً، نحتفل بكل نجاح صغير، لأنه خطوة في الطريق الصحيح.
أدعو كل زميل أستاذ، وكل قائد أكاديمي، وكل طالب، وكل مهتم بتطوير التعليم إلى أن يسأل نفسه: كيف أنظر إلى الجودة اليوم؟ هل أراها فرضاً من فوق، أم أراها فرصة للتطور؟ إجابتك على هذا السؤال ستحدد مدى استفادتك الحقيقية من الجودة. أدعوكم لمشاركة تجاربكم وآرائكم حول دور الجودة في مؤسساتكم التعليمية.
•
•
•
•
•
•
•
•
•
•