12/11/2025
الذكاء الاصطناعي في ليبيا: بين الحماس المفرط وغياب الرؤية الاستراتيجية
شهدت ليبيا في الآونة الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في الاهتمام بمفهوم الذكاء الاصطناعي، إذ أصبح هذا المصطلح حاضرًا في الخطابات الإعلامية والأكاديمية، وحتى في بعض المبادرات الحكومية والخاصة. ويُعد هذا التوجه في ظاهره مؤشرًا إيجابيًا يعكس الوعي المتنامي بأهمية التحول الرقمي ودور التقنيات الحديثة في التنمية. غير أن الواقع يُظهر أن هذا الحراك غالبًا ما يفتقر إلى الأسس العلمية والتخطيط الاستراتيجي الرصين الذي يضمن استدامته وفاعليته.
إن الانخراط في مشاريع تحمل شعار “الذكاء الاصطناعي” دون وجود رؤية وطنية واضحة المعالم أو بنية تحتية رقمية متكاملة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، بل وقد يُفرغ المفهوم من مضمونه الحقيقي. فالذكاء الاصطناعي ليس شعارًا دعائيًا يُستخدم لجذب الاهتمام، بل منظومة معرفية وتقنية متكاملة تقوم على البيانات المنظمة، والكوادر المؤهلة، والتشريعات الداعمة، وسوق عمل قادر على الاستيعاب والتوظيف.
ويُلاحظ في المشهد الليبي الراهن وجود خلط واسع بين التسويق للمفهوم وفهم آلياته العلمية والعملية. إذ بات البعض يُروج لمشاريع “ذكاء اصطناعي” دون امتلاك الحد الأدنى من الدراية التقنية أو الإطار المفاهيمي الصحيح. هذا الخلل يخلق بيئة يغيب عنها التنسيق المؤسسي، وتتبدد فيها الجهود في مبادرات فردية غير مترابطة، ما يجعل فرص النجاح محدودة.
إن التحول نحو اقتصاد المعرفة يتطلب مقاربة شاملة تتجاوز مجرد اقتناء التكنولوجيا إلى بناء القدرات الوطنية القادرة على تطويرها وتكييفها مع السياق المحلي. وهذا لا يتحقق إلا عبر خطة وطنية استراتيجية تضع أسسًا واضحة للمرحلة القادمة، وتستند إلى محاور رئيسية، من أبرزها:
1. تأهيل الكفاءات الوطنية في مجالات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات من خلال برامج أكاديمية وتدريبية متخصصة.
2. إنشاء مراكز بحث وتطوير وطنية تُعنى بتطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحيوية مثل الصحة، والتعليم، والزراعة، والطاقة.
3. تطوير قاعدة بيانات وطنية موحدة تعتمد على المعايير الدولية في توحيد وتخزين البيانات.
4. مواءمة مشاريع الذكاء الاصطناعي مع سوق العمل بما يسهم في خلق وظائف جديدة وتعزيز الاقتصاد الرقمي.
5. سنّ تشريعات وتنظيمات واضحة لحماية البيانات وضمان استخدامها المسؤول.
إن مستقبل الذكاء الاصطناعي في ليبيا لا يُبنى بالحماس وحده، بل بالوعي، والتخطيط، والتكامل بين القطاعات. فبينما يُعد الذكاء الاصطناعي أداة قوية للتنمية، فإن التعامل معه دون إعداد كافٍ قد يحوّله إلى عبء يُبدّد الموارد ويُفقد الثقة في جدواه.