20/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حين يصبح التشويه بديلاً عن الدليل
ليس كل ما يُكتب يُصدَّق، وليس كل ما يُتداول حقيقة، ولا تصبح الاتهامات حقائق لمجرد أن تُرصّ في منشور طويل وتُغلف بعبارات من قبيل: «بحسب المعلومات المتداولة».
إنّ من أراد الإصلاح فطريقه واضح: دليل، ووثيقة، وشكوى رسمية، وتحقيق نزيه. أما أن تُلقى الاتهامات جزافاً على مؤسسة صحية وكادر يعمل في ظروف شاقة، ثم يُطلب من الناس أن يتعاملوا معها كأنها أحكام قضائية، فذلك ليس إصلاحاً، بل تشهيرٌ مغلّف بلغة التقارير.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
فأين الوثائق؟
أين أسماء الحالات التي قيل إنها حُوّلت إلى مشافٍ خاصة؟
أين الإحصاءات التي بُني عليها رقم «75%»؟
أين مستندات التوظيف والنقل؟
أين قرارات التكليف والعقود؟
أين سجلات المحروقات؟
وأين الدليل على كل واقعة صيغت في المنشور بصيغة توحي بأنها حقيقة ثابتة؟
إن كنتم تملكون أدلة، فضعوها على الطاولة، ونحن أول من يطالب بالتحقيق والمحاسبة إن ثبت أي تجاوز. أما إن كانت المسألة مجرد «معلومات متداولة» و«إفادات» و«تساؤلات»، فلا يحق لأحد أن يحوّل الظنون إلى إدانات، ولا أن يجعل من سمعة العاملين في القطاع الصحي مادةً للتشهير.
والأعجب من ذلك أن بعض من يرفع اليوم راية «محاربة الفساد» ويتحدث عن النزاهة والموارد والانضباط، يبدو أنه نسي أن النزاهة لا تكون انتقائية، والمحاسبة لا تُطلب عندما توافق أهواءنا فقط.
قال تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
فالعدل لا يتجزأ.
مشفى هجين ليس جدراناً ولا اسماً على لافتة؛ إنه مكان تُفتح أبوابه للمرضى في أصعب لحظاتهم، ويقف فيه أطباء وممرضون وفنيون وعاملون خلف أبواب مغلقة، يحملون مسؤولية أرواحٍ لا تعرف ظروفهم ولا ترى ساعات تعبهم.
ومن حق الناس أن تسأل، ومن حقهم أن يطالبوا بالشفافية، لكن ليس من حق أحد أن يدين الناس قبل التحقيق، أو يشوّه مؤسسة وكادراً بأكمله بناءً على روايات مجهولة المصدر.
إن كان الهدف فعلاً هو الإصلاح، فمرحباً بكل ملاحظة موثقة، وكل شكوى رسمية، وكل تحقيق مستقل.
أما تحويل المشفى إلى ساحة لتصفية الحسابات، أو استخدام عبارات كبيرة لإخفاء غياب الدليل، فهذه ليست شجاعة.
الشجاعة أن تقول: هذا ما حدث، وهذه وثيقتي، وهذا دليلي، وأنا مستعد لتحمل مسؤولية كلامي أمام الجهات المختصة.
وما سوى ذلك يبقى كلاماً يُقال… لا حقيقةً تُدان بها مؤسسة ولا يُشوَّه بها كادر.
ومن كان لديه دليل فليقدمه، ومن لم يكن لديه إلا الظن، فليتذكر قوله تعالى:
﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾
فالحق لا يخشى التحقيق،
والبريء لا يخشى السؤال،
لكن الباطل وحده يخشى أن توضع الحقائق على الطاولة.