09/07/2026
🍽️ سلسلة إدخال الطعام الصلب (13)
الدراسة التى أجبرت العالم على الاعتراف: ربما كنا نؤخر الطعام... فى الاتجاه الخطأ!
فى الحلقة الماضية...
توقفنا عند سؤال أربك العلماء لسنوات:
«إذا كنا نؤخر البيض والفول السودانى منذ عشرات السنين... فلماذا تستمر الحساسية فى الارتفاع؟»
لم يكن لدى أحد إجابة.
إلى أن جاءت ملاحظة صغيرة...
غيّرت كل شىء.
---
البداية لم تكن فى معمل...
بل كانت فى عيادة.
فى أوائل الألفية، كان طبيب الأطفال وأخصائى الحساسية البريطانى جدعون دو تويت (Gideon Lack) يلاحظ زيادة مستمرة فى حساسية الفول السودانى بين الأطفال فى بريطانيا.
وفى الوقت نفسه...
وصلته ملاحظة غريبة.
الأطفال اليهود الذين يعيشون فى بريطانيا كانوا يعانون من حساسية الفول السودانى أكثر بكثير من الأطفال اليهود الذين يعيشون فى إسرائيل.
والغريب...
أن الأطفال ينتمون إلى خلفية وراثية متشابهة.
فما الذى اختلف؟
---
عندما بحث العلماء عن السبب...
وجدوا فرقًا واحدًا لفت انتباههم.
فى إسرائيل...
كان كثير من الأطفال يتناولون منذ الشهور الأولى من العمر وجبة خفيفة شهيرة تحتوى على الفول السودانى، تُعرف باسم Bamba.
أما فى بريطانيا...
فكانت النصيحة الرسمية هى:
"لا تعطوا الفول السودانى للطفل."
كانت هذه مجرد ملاحظة...
لكنها أثارت سؤالًا خطيرًا:
«هل يكون التعرض المبكر للطعام سببًا فى الحماية... وليس فى المرض؟»
---
عام 2008...
بدأت واحدة من أهم الدراسات فى تاريخ طب الأطفال.
اسمها:
LEAP
واختصارها:
Learning Early About Peanut Allergy
اختار الباحثون أطفالًا لديهم خطر مرتفع للإصابة بحساسية الفول السودانى، مثل الأطفال المصابين بالإكزيما الشديدة أو حساسية البيض.
ثم قسموهم إلى مجموعتين:
🔹 مجموعة تناولت الفول السودانى بانتظام منذ عمر يتراوح بين 4 و11 شهرًا، تحت إشراف طبى.
🔹 ومجموعة تجنبته تمامًا حتى عمر خمس سنوات.
كانت الدراسة جريئة.
لأنها كانت تفعل عكس ما كان العالم كله ينصح به.
---
وعندما ظهرت النتائج...
أصيب الجميع بالدهشة.
الأطفال الذين تناولوا الفول السودانى مبكرًا...
انخفضت لديهم حساسية الفول السودانى بنسبة تقارب 80% مقارنة بالمجموعة التى تجنبته.
كانت واحدة من أكبر الفروق التى شاهدها الباحثون فى دراسة وقائية.
ولأول مرة...
أصبح لدى العلماء دليل قوى، وليس مجرد فرضية. (Du Toit G, et al. The New England Journal of Medicine, 2015)
---
لكن لماذا حدث ذلك؟
بدأ العلماء يفهمون شيئًا جديدًا.
جهاز المناعة عند الرضيع لا يولد وهو يعرف من هو "العدو".
بل يتعلم.
وعندما يتعرف على الطعام عبر الفم، فى الوقت المناسب، وبكميات مناسبة...
قد يتعلم أن هذا الطعام آمن.
أما إذا ظل الطعام غائبًا تمامًا...
وفى المقابل تعرض الجلد الملتهب لبروتيناته من البيئة، كما يحدث عند بعض الأطفال المصابين بالإكزيما...
فقد يتعامل جهاز المناعة معه كأنه جسم غريب.
هذه الفكرة عُرفت لاحقًا باسم:
فرضية التعرض المزدوج للمواد المسببة للحساسية (Dual Allergen Exposure Hypothesis).
وهى من أهم النظريات التى فسرت نتائج دراسة LEAP.
---
هل انتهت القصة هنا؟
لا.
العلم لا يغير توصياته بسبب دراسة واحدة.
ولهذا جاءت دراسات أخرى.
منها دراسة LEAP-On.
وأظهرت أن الأطفال الذين استفادوا من الإدخال المبكر احتفظوا بجزء كبير من هذه الحماية حتى بعد التوقف المؤقت عن تناول الفول السودانى.
ثم جاءت دراسة EAT.
وحاولت تطبيق الفكرة على عدة أطعمة مسببة للحساسية، وليس الفول السودانى فقط.
ورغم أن النتائج كانت أكثر تعقيدًا، فإنها دعمت الاتجاه نفسه:
التأخير الروتينى لا يبدو أنه يحقق الفائدة التى كنا نتوقعها.
ثم جاءت دراسة PETIT فى اليابان، وأظهرت أن إدخال البيض تدريجيًا عند الأطفال المعرضين للحساسية قد يقلل أيضًا من خطر حساسية البيض عندما يتم بطريقة مدروسة.
بدأت الصورة تكتمل.
---
ماذا فعلت الجمعيات العلمية؟
خلال سنوات قليلة...
بدأت التوصيات تتغير.
الجمعيات العلمية التى كانت تنصح بتأخير الفول السودانى...
بدأت تقول:
لا تؤخروه دون سبب.
بل عند الأطفال المعرضين للحساسية، قد يكون الإدخال المبكر تحت الإشراف الطبى هو الخيار الأفضل.
كانت هذه من أسرع المرات التى غيّر فيها الطب توصيات استمرت لعقود.
ليس لأن العلماء أخطأوا عمدًا...
بل لأن الدليل الجديد كان أقوى.
---
لكن هناك سؤالًا أكبر...
إذا كان جهاز المناعة يتعلم من الطعام...
فهل يمكن أن يتعلم أيضًا من البكتيريا التى تعيش داخل الأمعاء؟
هذا السؤال فتح بابًا جديدًا تمامًا...
بابًا اسمه:
الميكروبيوم.
وفى الحلقة القادمة...
سندخل إلى العالم الذى غيّر فهمنا للتغذية بالكامل.
عالم يعيش داخل أمعاء الطفل...
وقد يكون له تأثير على المناعة، والسمنة، وحتى صحة الإنسان فى المستقبل.
---
💡 هل تعلم؟
🔹 الدراسة التى مهدت لـ LEAP وجدت أن حساسية الفول السودانى كانت أعلى عدة مرات بين الأطفال اليهود فى بريطانيا مقارنة بالأطفال اليهود فى إسرائيل، رغم التشابه الوراثى، وكان أحد أبرز الفروق هو توقيت تناول الفول السودانى.
🔹 دراسة LEAP نُشرت عام 2015 فى The New England Journal of Medicine، وتُعد من أكثر الدراسات تأثيرًا فى تاريخ الوقاية من الحساسية الغذائية.
🔹 بعد نتائج LEAP، عدلت عدة جمعيات علمية عالمية توصياتها، وأصبح التأخير الروتينى للفول السودانى غير موصى به عند معظم الأطفال، مع وجود بروتوكولات خاصة للأطفال مرتفعى الخطورة.
🔹 قصة LEAP أصبحت مثالًا كلاسيكيًا فى الطب على أن التوصيات قد تتغير عندما تظهر أدلة أقوى، حتى لو كانت التوصيات القديمة مطبقة منذ سنوات طويلة.
---
📚 المراجع
1. Du Toit G, Roberts G, Sayre PH, et al. Randomized Trial of Peanut Consumption in Infants at Risk for Peanut Allergy. The New England Journal of Medicine. 2015.
2. Du Toit G, et al. LEAP-On Study. The New England Journal of Medicine. 2016.
3. Perkin MR, et al. Enquiring About Tolerance (EAT) Study. The New England Journal of Medicine. 2016.
4. Natsume O, et al. PETIT Trial. The Lancet. 2017.
5. National Institute of Allergy and Infectious Diseases. Addendum Guidelines for the Prevention of Peanut Allergy.