06/06/2026
ويظل تخصص جراحه النساء والتوليد من أغرب التخصصات الجراحيه فهو كلما ازدات مهارتك ازداد خوفك وقلقك
في بداية الطريق يعتقد الكثير من الأطباء أن اكتساب الخبرة سيجلب معه راحة البال والطمأنينة الكاملة، وأن كثرة العمليات والحالات ستجعل التعامل مع المواقف المختلفة أمرًا روتينيًا لا يثير القلق. لكن الواقع في تخصص النساء والتوليد مختلف تمامًا. فمع مرور السنوات لا يقل القلق، بل يتغير شكله ويزداد عمقًا. يصبح الطبيب أكثر إدراكًا للتفاصيل الصغيرة التي قد تصنع فارقًا كبيرًا بين النجاح والمضاعفات، وبين الفرحة والحزن، وبين لحظة انتظار مولود جديد ولحظة قد تتطلب تدخلًا عاجلًا لإنقاذ حياة.
في هذا التخصص لا تتعامل مع مريض واحد فقط، بل مع روحين في آن واحد. كل قرار تتخذه قد يؤثر على الأم وجنينها معًا. وكل خطوة تحتاج إلى موازنة دقيقة بين الفوائد والمخاطر. لذلك فإن الطبيب الذي لا يشعر بالمسؤولية أو لا يقلقه احتمال حدوث المضاعفات مهما كانت نادرة، غالبًا لم يدرك بعد حقيقة هذا التخصص.
ومع تراكم الخبرات يتعلم الطبيب أن النجاح في مئات الحالات لا يمنح حصانة في الحالة التالية. فكل مريضة تحمل قصة مختلفة، وكل حمل له ظروفه الخاصة، وكل عملية قيصرية أو ولادة طبيعية قد تخفي تحديات غير متوقعة. هنا يصبح التواضع العلمي ضرورة وليس اختيارًا. فكلما تعلمت أكثر، اكتشفت أن هناك المزيد مما يجب أن تعرفه، وكلما رأيت حالات أكثر، أدركت أن الطب ما زال قادرًا على مفاجأتك.
وربما من أكثر ما يميز طبيب النساء والتوليد أنه يعيش بين أقصى درجات الفرح وأقصى درجات التوتر في اليوم نفسه. فقد ينتقل خلال دقائق من لحظة سماع أول صرخة لمولود جديد وسط دموع السعادة والامتنان، إلى التعامل مع حالة نزيف حاد أو مضاعفة طارئة تحتاج إلى سرعة قرار ودقة تصرف. هذه التقلبات المستمرة تجعل هذا التخصص ليس مجرد مهنة، بل أسلوب حياة يتطلب استعدادًا نفسيًا وعلميًا دائمًا.
الخوف الذي يرافق الطبيب الخبير ليس خوفًا من العمل، بل خوف المسؤولية. هو ذلك الشعور الذي يدفعه إلى مراجعة قراراته، والحرص على متابعة مرضاه بدقة، وطلب المساعدة عند الحاجة، وعدم التهاون مع أي علامة قد تبدو بسيطة. إنه خوف إيجابي يحافظ على يقظة الطبيب ويمنعه من الوقوع في فخ الثقة الزائدة التي قد تكون أخطر من قلة الخبرة نفسها.
ولهذا فإن الأطباء الأكثر خبرة هم غالبًا الأكثر حرصًا. تراهم يعيدون تقييم الحالة أكثر من مرة، ويستمعون إلى الفريق الطبي، ويتابعون التفاصيل الدقيقة التي قد لا يلتفت إليها غيرهم. ليس لأنهم يفتقرون إلى الثقة، بل لأنهم يعرفون جيدًا قيمة كل قرار، ويدركون أن حياة إنسان قد تتأثر بتفصيلة صغيرة.
وفي النهاية يبقى أعظم ما في هذا التخصص أنه يجعلك شاهدًا على واحدة من أعظم معجزات الحياة؛ لحظة الميلاد. تلك اللحظة التي تنسيك ساعات التعب والسهر والقلق، وتمنحك شعورًا لا يوصف بأنك كنت جزءًا من بداية قصة إنسان جديد. ورغم كل ما يحمله التخصص من ضغوط ومسؤوليات وتحديات، يظل من أكثر التخصصات قدرة على منح صاحبه معنى حقيقيًا لما يقدمه من علم وجهد وإنسانية.
تحية تقدير لكل طبيب وطبيبة في تخصص النساء والتوليد، يحملون على عاتقهم مسؤولية مضاعفة، ويقفون كل يوم بين الأمل والخطر، وبين الخوف والواجب، مؤمنين بأن كل حياة تُنقذ، وكل أم تعود إلى بيتها بخير، وكل طفل يولد سالمًا، هي رسالة تستحق كل هذا العناء. ❤️🌹
د. محمود أحمد عبد العظيم
استشاري جراحه النساء والتوليد
ّ