31/08/2026
أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى نصيحة جديدة ولا إلى خطة لإنقاذ حياته ولا إلى شخص يقف أمامه ويقول له: كن قويًا، أحيانًا يكون الإنسان قد حاول فعلًا كل شيء وفكر فـ كل الاحتمالات وطرق كل الأبواب وتحمل أكثر مما يحتمل ثم يصل إلى تلك اللحظة التي يشعر فيها أن عقله لم يعد قادرًا على إنتاج حل جديد وهنا تحديدًا لا تكون كلمة يارب مجرد كلمة يقولها الإنسان، وإنما تكون حالة كاملة من التسليم بعد رحلة طويلة من المحاولة.
فـ علم النفس هناك فكرة مهمة تقول إن الإنسان لا يتعب فقط من حجم المشكلات وإنما يتعب من استمرار حالة المقاومة، أن تظل مستعدًا للقتال طوال الوقت وأن تفكر باستمرار وأن تتوقع الأسوأ وأن تحاول إصلاح كل شيء وأن تحمل مسؤولية نفسك ومسؤولية الآخرين وأن تراقب المستقبل وكأنك قادر على منعه أو التحكم فيه، الإنسان لا ينهار دائمًا لأن المشكلة كبيرة أحيانًا ينهار لأنه ظل واقفًا أمامها وحده لفترة طويلة، ونحن كبشر لدينا ميل غريب للسيطرة على كل شيء، نريد أن نفهم لماذا حدث الأمر ومتى سينتهي وكيف ستكون النتيجة وماذا يفكر الآخرون وهل سيبقون أم سيرحلون وهل سننجح أم نفشل، نحاول السيطرة حتى على الأشياء التي لا تخضع لسيطرتنا ثم نتعجب لماذا نشعر بالقلق والحقيقة أن جزءًا كبيرًا من السلام النفسي يبدأ عندما يعرف الإنسان الفرق بين ما يستطيع تغييره وما يجب عليه أن يتقبله.
وهنا تأتي كلمة يارب، ليست لأنها آخر الحلول وإنما لأنها أحيانًا أكثر الحلول صدقًا، لأنك حين تقولها فـ أنت لا تهرب من المسؤولية وإنما تعترف بحدود قدرتك، تقول: أنا حاولت بما أملك وفكرت بما أستطيع وتحملت بقدر طاقتي ولكن هناك أشياء أكبر مني وهذا الاعتراف ليس ضعفًا لكنه نوع من النضج النفسي الذي يصل إليه الإنسان بعد أن يفهم أنه ليس مسؤولًا عن كل شيء، هناك فرق كبير بين الاستسلام والتسليم، فـ الاستسلام أن تتوقف لأنك فقدت الأمل أما التسليم فهو أن تفعل ما تستطيع ثم تترك ما لا تستطيع لله وأن تسعى وتتحرك وتأخذ بالأسباب لكن دون أن تستهلك روحك فـ محاولة السيطرة على نتائج ليست ملكك لأن الإنسان مسؤول عن خطواته لكنه ليس مسؤولًا عن الطريق كله.
الإنسان يحتاج أحيانًا إلى أن يتوقف عن سؤال نفسه: هعمل إيه؟ ويبدأ فـ قول: يارب دلني، يحتاج أن يتوقف عن محاولة حمل المستقبل كله فوق كتفيه ويعيش يومه فقط يحتاج أن يفهم أن ليس كل تأخير عقابًا وليس كل فقد نهاية وليس كل طريق مغلق يعني أنك ضعت، هناك أشياء لا نفهم حكمتها إلا بعد أن نمر منها.ربما لهذا السبب تأتي كلمة يارب فـ أصعب اللحظات لأن الإنسان عندما تنتهي قوته يبدأ فـ اكتشاف أن القوة لم تكن يومًا فـ أنه يستطيع فعل كل شيء وإنما فـ أنه يعرف متى يحاول ومتى يصبر ومتى يقبل ومتى يترك الأمر كله لله.
فلو أنت هذه الأيام شايل فوق طاقتك ومش عارف تعمل إيه ومش قادر تشرح اللي جواك ومش لاقي حل لكل اللي بيحصل متضغطش على نفسك أكتر، اعمل اللي عليك وخد بالأسباب وحاول مرة أخرى لو تقدر ولو وصلت للحظة اللي مفيش بعدها كلام ارفع ايدك لفوق وقول: يارب، أنا مش قادر لوحدي.
كتبه باسم عامر
١٧ ربيع الأول ١٤٤٨هـ