02/06/2026
ماذا يحدث فى علم التغذية العلاجية.. ولماذا كل هذا اللغط؟؟
الأمور بسيطة جدا ويجب على كل مسئول عن نفسه وعن صحته أن يبحث ويقرأ ويفهم ويتعلم😉😉
علم التغذية العلاجية هو علم معقد، ويحتاج إلى سنوات طوال من الدراسة والفهم وقراءة الأبحاث الخاصة به من المجلات الطبية العالمية. والأبحاث المقارنة والمنضبطة للتغذية العلاجية مكّنت الطب الحديث من علاج كثير من الأمراض بالغذاء السليم الذي يعتمد على المنع والإضافة لبعض الأطعمة، مع الاحتفاظ الدقيق بأسس التغذية السليمة؛ حتى لا يصاب الشخص بسوء التغذية، أو النقص الحاد لبعض العناصر الحيوية للغذاء التي تدخل في كثير من الوظائف الحيوية المعقدة للجسم البشري، كالأملاح والمعادن والفيتامينات والأحماض الأمينية والدهنية المهمة. والعبث دون فهم للتغذية العلاجية قد يؤدي إلى عواقب مرضية وخيمة، وربما الوفاة؛ فالطعام دواء، والدواء طعام كما قال أبو قراط؛ أبو الطب والذي يقسم الأطباء قسمه عند تخرجهم.
والسؤال المهم هو: كيف نستفيد من التغذية العلاجية في مصر؟ وكيف نفهم تأثيرها خصوصًا في الإنسان المصري، بتركيبته الجينية المتميزة، وخصائص أكله؟ وكيف يستفيد بعض الناس من تجنب بعض الأطعمة أو إضافتها؟ وسأعطي هنا ثلاثة أمثلة؛ لأن الموضوع طويل ومتشعب:
١- اللبن ومنتجاته: يعدّ اللبن من أفضل ما يتناوله الإنسان، حتى لو كان كامل الدسم، فهو يحتوي على كثير من الأحماض الأمينية والأحماض الدهنية المهمة لتكوين هرمونات الجسم الحيوية وإنزيماته. كما أن الألبان المخمرة، كالزبادي واللبن الرايب، تحسّن كثيرًا بكتريا المعدة والأمعاء الحميدة المسماة بالميكروبيوتا microbiota، فتفيد الجسم، وتقي الجهاز الهضمي. لكن مع الأسف، أثبت ثلاثة أبحاث مصرية حديثة أن نحو ٦٥% من الشعب المصري لديه نقص في إنزيم هضم اللبن المسمى "لاكتاز" lactase؛ مما ينتج عنه انتفاخات في القولون، واضطراب في الأمعاء، وعسر هضم عند تناول اللبن ومنتجاته، ويشعرون فورًا بالتحسن الكبير عند التوقف عن تناول هذا الطعام المهم جدًّا والحيوي، في حين أن نسبة المصابين بعدم احتمال اللبن lactose intolerance في أوروبا نحو ١٠٪ فقط، ولكن هذه النسبة تصل في دول أمريكا اللاتينية إلى ٨٠٪، وفي الصين وبعض دول جنوب شرق آسيا إلى ٩٠٪. وعلاج هذه الحالات ليس بالامتناع عن جميع منتجات الألبان والجبن، ولكن بأخذ أقراص إنزيم اللاكتاز عند تناول أي من منتجات الألبان حتى يستفيد الشخص من المواد الغذائية المهمة في اللبن ومنتجاته.
٢- الخضراوات، كالخس والجرجير والسبانخ والكرنب وغيرها: الخضراوات من أهم ما يمكن أن يتناوله الشخص من أطعمة لاحتوائها على كم كبير من الفيتامينات والأملاح المعدنية المهمة جدًّا لجسم الإنسان والعمليات الحيوية داخله، كما أنها تحتوي على كمية عالية من الألياف غير القابلة للهضم، التي تبطئ امتصاص السكريات فتحسن نسبة السكر في الدم، وتنظم حركة القولون، وتمنع الإمساك، وتقي من حدوث سرطان القولون. لكن مع الأسف ١٠-٢٠٪ من المصريين مصابون بعدوى الأميبا الحادة أو المزمنة، وهي كائنات أحادية الخلية تهاجم جدار الأمعاء وتسبب الانتفاخات، وعسر الهضم، والإسهال، ثم تتحوصل وتصبح مزمنة لتعيد مهاجمة القولون من جديد. هذه النسبة من المصريين تتحسن كثيرًا بالابتعاد عن هذه الخضراوات الليفية أو تقليلها، وعلاج الأميبا كلما نشطت أو هاجمت الأمعاء.
٣- الدقيق ومنتجات دقيق القمح: الحبوب الكاملة كالقمح من أهم مصادر النشويات والألياف (النخالة/ الردّة) وهي تتحول إلى الجلوكوز الذي هو من أهم مصادر الطاقة للجسم. والخبز غذاء مصري مهم يصعب الاستغناء عنه. لكن القمح يحتوى على كثير من البروتينات المسماة بالجلوتين gluten، التي قد تحفز الجهاز المناعي للجسم فيهاجمها ويهاجم جدار القولون، ويؤدي إلى انتفاخات القولون، وعسر الهضم. بعض الناس عندهم حساسية شديدة من الجلوتين، ويشعرون بالأعراض الحادة فور تناول قدر قليل من منتجات القمح، وهو يسمى مرض السيلياك celiac disease، وبالطبع يجب عليهم تجنبه بعد تشخيصهم بقياسات في الدم، أو بتحليل خزعة من جدار القولون. لكن نحو ٢٠٪ من البشر -ومنهم المصريون بالطبع- يعانون حساسية متوسطة للجلوتين، وليست مفرطة كمرض السيلياك، ويصاب هؤلاء بكثير من الأمراض، خاصة القولون، وآلام العضلات، وأمراض الجهاز العصبي، ويتحسنون تحسنًا كبيرًا عند الامتناع عن جميع منتجات القمح، وبعض الحبوب الأخرى المحتوية على الجلوتين.
الموضوع طويل وكبير، ولا يتسع المجال هنا لشرحه، ولكنني أعطيكم أمثلة لتفاعل الغذاء مع الجسم والأمراض.
من السهل علىّ -ولكن من السطحية الشديدة كذلك- أن أطالب جميع المصريين بالامتناع عن اللبن ومنتجاته، والخضراوات كلها، والدقيق ومنتجات القمح، فيتحسن كثير منهم من المصابين بما ذكرت أعلاه، ويدعوا لي لأنني وجدت لهم ما يشفيهم من أمراضهم التي عجز الأطباء والأدوية عن علاجها، ولكن ما ذنب من ليس عنده حساسية للألبان ولا يعاني الأميبا المزمنة، ومن ليس عنده حساسية للقمح ومنتجاته، في أن يحرم نفسه من هذه الأطعمة الغذائية المهمة جدًّا، ويتجنب بهم عواقب سوء التغذية؟ يجب أن يكون المنع بقدر الإصابة وبعد تشخيصها بدقة، فلا يوجد نظام غذائي للجميع، وهذا دور الدارس والفاهم للتغذية العلاجية.