03/06/2026
إخواني الكرام، أود أن أقدم نصيحة، فمن اقتنع بها فليأخذ بها قبل فوات الأوان، ومن لم يقتنع فله كامل الحرية في تجاوزها.
أولاً: نصيحتي في الحياة بشكل عام، سواء كنت شاباً أو كهلاً أو شيخاً. فجميعنا نعيش وفق سنن وقوانين أودعها الله في هذه الحياة، لها أسبابها ونتائجها، ولا يستطيع أحد أن يتجاوزها ما دام يعيش فوق هذه الأرض.
وديننا الإسلامي هو دين البناء والإعمار والعمل والعطاء، وليس دين السلبية والجمود. وقد قيل: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً».
وللأسف، نرى كثيراً من الناس عندما يتقدم بهم العمر يرفعون الراية البيضاء، ويجلسون ينتظرون الموت، بل إن المجتمع أحياناً يشجعهم على ذلك. فيقال لهم: "لقد أديت رسالتك في الحياة، فابقَ بين المسجد والبيت أو بين المقهى والبيت". فيتحول الإنسان إلى أسير للانتظار، ويصبح شغله الشاغل متابعة أخبار الوفيات، وخاصة ممن هم في عمره أو من أقرانه.
ولكن أسأل هؤلاء ومن يشجعهم على هذا التفكير: هل انتظار الموت سيطيل العمر أو يؤخر الأجل؟ وهل الخبرات والتجارب التي اكتسبها الإنسان خلال عقود من حياته خُلقت لتُجمَّد وتُدفن معه؟
إن الإنسان صاحب الخبرة يستطيع أن يبقى منتجاً ومؤثراً ما دام قادراً على العطاء. ولو وجد التشجيع والدعم، لاستطاع أن يحول خبرته المتراكمة إلى مشاريع وأفكار ومنتجات تنفع أسرته ومجتمعه.
وعندما يأتي أجله يكون قد ترك أثراً طيباً، مصداقاً لقول الحكماء: "زرعوا فأكلنا، ونزرع فيأكلون."
أما الشباب،
فوالله إن القلب ليتألم على ما يضيع من أعمار الكثير منهم. فالوقت يسرق سنواتهم وهم بعيدون عن العلم والثقافة والبناء الحقيقي للذات. ونرى مظاهر سطحية وممارسات مؤسفة يتفاخر فيها البعض بالنسب أو بالانتماء أو بما يظنه تطوراً، بينما التقدم الحقيقي يقاس بالعلم والعمل والأخلاق والإنتاج.
أما من الناحية الصحية، فإن كثيراً من الشباب يعيشون على أسوأ الأنماط الغذائية، من الوجبات السريعة والمشروبات الغازية والتدخين المفرط. ولم تعد المشكلة تقف عند التدخين فقط، بل تجاوزتها إلى انتشار المخدرات بمختلف أنواعها، وما يترتب عليها من آثار مدمرة على الفرد والأسرة والمجتمع، من ضياع للأخلاق، وتفكك أسري، وجرائم، ومآسٍ اجتماعية لا تخفى على أحد.
كما نشهد ارتفاعاً مقلقاً في معدلات الطلاق وما يرافقها من آثار سلبية، مثل تشرد الأطفال، والمعاناة النفسية والاجتماعية والاقتصادية للأسر. ونشهد أيضاً صعوبات متزايدة في الزواج، وارتفاعاً في التكاليف والمتطلبات التي أصبحت عائقاً أمام كثير من الشباب.
وفي المقابل، تُحارب بعض الحلول المشروعة، مثل تعدد الزوجات
بينما تُفتح الأبواب أمام علاقات وسلوكيات محرمة ومرفوضة دينياً وأخلاقياً،
مما يزيد من تعقيد المشكلات بدلاً من حلها.
كما أن بعض العادات الاجتماعية القديمة، رغم ما كان فيها من سلبيات، كانت أحياناً توفر حلولاً مؤقتة تساعد الشباب في بداية حياتهم حتى يتمكنوا من بناء مستقبلهم واستقلالهم المادي.
ومن المؤسف أيضاً ظهور أشكال من العلاقات والزيجات التي تخالف أحكام الشريعة الإسلامية، ويتم تبريرها تحت مسميات الضرورات الاجتماعية.
والضرورة الحقيقية لا تكون مبرراً لتجاوز حدود الله أو تحليل ما حرمه سبحانه وتعالى وفق اجتهادات شخصية أو أهواء بشرية.
وأخيراً، أوجه كلمة إلى من أنعم الله عليهم بالمال والعيش الكريم، ثم انشغلوا بأنفسهم وأسرهم ونسوا من حولهم. إلى الطبيب الذي لا يشعر بمعاناة المريض، وإلى التاجر الذي لا يراعي حاجة المحتاج، وإلى كل من وسع الله عليه في رزقه فلم يجعل للناس نصيباً من خيره.
فالدنيا ليست دار إقامة دائمة، والموت لا يفرق بين صغير وكبير، ولا بين غني وفقير. فكم من شاب فارق الحياة قبل شيخ كبير، وكم من إنسان خرج من بيته ولم يعد إليه بسبب حادث أو مرض أو سبب لم يكن يتوقعه.
لذلك تذكروا الله، وتذكروا أن أمامكم يوماً تعرضون فيه على ربكم، يوم لا ينفع مال ولا جاه ولا ندم، وإنما ينفع العمل الصالح والنية الصادقة والأثر الطيب الذي يتركه الإنسان خلفه.
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم حسن الخاتمة، وصلاح العمل، وأن يجعل أعمارنا عامرة بالطاعة والخير والنفع للناس، إنه ولي ذلك والقادر عليه.